ابراهيم بن عمر البقاعي

270

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

يخلف الميعاد الرَّحْمنِ الذي عم الخلائق بنعمة الإيجاد الرَّحِيمِ * الذي خص من اختاره بالتوفيق لما يرضاه من المراد . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 1 إلى 8 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ( 1 ) فَالْحامِلاتِ وِقْراً ( 2 ) فَالْجارِياتِ يُسْراً ( 3 ) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً ( 4 ) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ( 5 ) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ ( 6 ) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ ( 7 ) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ( 8 ) لما ختم سبحانه ق بالتذكير بالوعيد ، افتتح هذه بالقسم البالغ على صدقه ، فقال مناسبا بين القسم والمقسم عليه : وَالذَّارِياتِ أي الرياح التي من شأنها الإطارة والرمي والتفريق والإذهاب ، وأكد ذلك بقوله : ذَرْواً * أي بما تصرفها فيه الملائكة ، قال الأصبهاني : الرياح تحت أجنحة الكروبيين حملة العرش ، فتهيج من ثم فتقع بعجلة الشمس ثم تهيج عن عجلة الشمس فتقع برؤوس الجبال ، ثم من رؤوس الجبال تقع في البر ، فأما الشمال فإنها تمر تحت عدن فتأخذ من عرف طيبها فتمر على أرواح الصديقين ، ثم تأخذ حدها من كرسي بنات نعش إلى مغرب الشمس ، وتأتي الدبور حدها من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل ، وتأتي الجنوب حدها من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس ، وتأتي الصبا حدها من مطلع الشمس إلى كرسي بنات نعش ، فلا تدخل هذه في حد هذه ولا هذه في حد هذه . ولما كانت غاية الذرو التهيئة للحمل ، قال مسببا ومعقبا : فَالْحامِلاتِ أي من السحب التي فرقت الريح أصلها وهو الأبخرة ، وأطارته في الجو أي جهة العلو ثم جمعته ، فانعقد سحابا فبسطه مع الالتئام فحمله اللّه ما أوجد فيه من مراده من الماء والصواعق وغيرها وِقْراً * أي حملا ثقيلا ، وقد كان قبل ذلك لا يرى شيء منه ولا من محموله ، فتحققوا قدرة اللّه على كل ما يريد وإن لم تروا أسبابه ، ولا يغرنكم باللّه الغرور . ولما كان الحمل إنما هو الوضع في الأماكن التي يراد ضرها أو نفعها ، وكان سير الغمام بعد الحمل في ساحة الجو وباحة الأفق من غير ممسك يرى أدل على القدرة ، ولا سيما إذا كان مع الجري الذي يضرب به لسرعته المثل ، وكذا جري السفن في باحة البحر بعد ثقلها بالوسق قال : فَالْجارِياتِ يُسْراً * أي جريا ذا سهولة . ولما كان في غاية الدلالة على تمام القدرة بغريق محمولها في الأراضي المجتاحة ولا سيما إن تباعدت أماكن صبه ومواطن سكبه ، وكان ذلك التفريق هو غاية الجري المترتب على الحمل المترتب على الذرو ، قال مسببا معقبا مشيرا بالتفعيل إلى غرابة فصلها لقطراتها وبداعة تفريقها لرحمتها من عذابها ، وغير ذلك من أحوال الجاريات